القرطبي

86

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

حتى يعلمه وحي كيف كان . والوحي : السريع . والوحي : الصوت ، ويقال : استوحيناهم أي استصرخناهم . قال : * أوحيت ميمونا لها ( 1 ) والأزراق * الثانية - قوله تعالى ( وما كنت لديهم ) أي وما كنت يا محمد لديهم ، أي بحضرتهم وعندهم ( إذ يلقون أقلامهم ) جمع قلم ، من قلمه إذا قطعه . قيل : قداحهم وسهامهم . وقيل : أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة ، وهو أجود ، لان الأزلام قد نهى الله عنها فقال " ذلكم فسق " [ المائدة : 3 ] ( 2 ) . إلا أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها . ( أيهم يكفل مريم ) أي يحضنها ، فقال زكريا : أنا أحق بها ، خالتها عندي . وكانت عنده أشيع بنت فاقود أخت حنة بنت فاقود أم مريم . وقال بنو إسرائيل : نحن أحق بها ، بنت عالمنا . فاقترعوا عليها وجاء كل واحد بقلمه ، واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري فمن وقف قلمه ولم يجره الماء فهو حاضنها . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فجرت الأقلام وعال قلم زكريا ) . وكانت آية له ، لأنه نبي تجري الآيات على يديه . وقيل غير هذا . و " أيهم يكفل مريم " ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل المضمر الذي دل عليه الكلام ، التقدير : ينظرون أيهم يكفل مريم . ولا يعمل الفعل في لفظ " أي " لأنها استفهام . الثالثة - استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة ، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة ، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم ، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة . ورد العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه ، وردوا الأحاديث الواردة فيها ، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها . وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال : القرعة في القياس لا تستقيم ، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة . قال أبو عبيد : وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء : يونس وزكريا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن المنذر . واستعمال القرعة

--> ( 1 ) في نسخة : د ، لهم . ( 2 ) راجع ج 6 ص 60 .